العودة   هذيان > وكـــأن الجفاف أسطُورتك الوحِيدة! > ويطمرنا السكوت!

ثَمَّة ثرثرة !

هاذون
ومازال حبها في دمي (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          الرساله (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          جنية الليل و ضوء (الكاتـب : زوينة سالم - )           »          معجبه (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          حرف الجنوب (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          إحساس قلبي (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          سولفي (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          ياعيسى المزمومي الرجل مثل الأحزمه المطاطيه (الكاتـب : احساس - آخر مشاركة : اضواء - )           »          هنا الملتقى (الكاتـب : بكاء بلادموع - )           »          ثــــــــــــــرثرة ثلاثــــــــــــــــــــــــــاء (الكاتـب : "نيف" - )

إضافة رد
 
أدوات الموضوع تقييم الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 05-06-2011, 01:36 PM   #141
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

دخان الوجع !



مصطفى البقالي- المغرب

القصة الفائزة بالجائزة الثالثة

في صنف القصة القصيرةبمسابقة مجلس وزراء الشباب والرياضة العرب بقطر


في أبريل 2010

———————————————— —————


يجلس وحيدا على مقعد إسمنتي في حديقة المستشفى، يمج من سيجارته نفسا عميقا،
ويتأمل خروج الدخان الرمادي بلامبالاة واضحة، ينظر إلى الضباب المحيط به، ويخط على ورقة بيضاء:
ندم يحرق أيقونة في النفس
ويحرم الصلاة في قعر المداد
ويطفئ الفتيل في الشمس

الدنيا تجافيني..
وأنا لم أحدد بعد شعوري نحو الدنيا
لم أعد أفرق في شعري
بين الوحشة والأنس
بين كتب الفلسفة ومجلات الجنس
لا أفرق بين أقعد للوقوف
وانهض للجلوس..
ولا بين ضحكة الحواة
وابتسامة الكاهن للناقوس
لا افرق بين تناطح حملين
وغزوة انتصرت فيها وأنا طفل

يتوقف عن الكتابة، يتأمل شريط الأحداث الذي يمر أمامه متقطعا قبل أن يغلف السواد كل شيء، وكأنه أصيب بتمزق في نقطة معينة.. يرمي سيجارته بعصبية واضحة،

يحاول طرد الصور من ذهنه، لكنه لا يستطيع.. هي نفس الصور تتكرر وتعيد نفسها بجنون، يضع يديه المربوطتين على رأسه، لا يستطيع طردها،
يغلق أذنيه، والصور ما زالت تلاحقه، يصرخ ونفس النقطة لا تكاد تتوقف إلا لتعيد الدقيقة التي حصل فيها كل ذلك..يصرخ أكثر، يهرول نحوه ثلاثة ممرضين بملابسهم البيضاء،
يمسك به اثنين وهو يقاوم ويصرخ، يحقنه الثالث بمادة منومة في معصمه الأيسر، ليسقط بهدوء، يلتفت أحدهم إلى زميليه قائلا:
- لقد هدأ المسكين!
يستيقظ بعد ساعتين، ليجد أمامه حائطا ابيض، وصوت يأتيه من الخلف:
- كيف حالك يا بطل
ابتسم للجدار دون أن يرد..

يختفي صوت الطبيب، وتقترب منه ذكرياته..من البداية !
يشاهد نفسه مراهقا في الخامسة عشرة، يجلس في الفصل، منتبها لشرح أستاذ الحساب، يخرج في استراحة قصيرة،

في انتظار حصة التاريخ التي يحبها، تناديه الطبيعة، ويذهب لدورة المياه،

يجد هناك زملاءه في الفصل يتناوبون على تدخين سيجارة محشوة بقطعة حشيش،

يناولونها إياه كما يفعلون دائما، يرفض كالعادة..يصيح احدهم: لا تحاولون معه..
ياسين من أبناء “يا ماما أشعر بالبرد”..يضحكون بهستيريا..
لم يتحمل استهزاءهم ، خطف السيجارة من يد أحدهم كي يؤكد أنه ليس جبانا، ووضعها بين شفتيه!

تمر سنوات حياته تباعا، وتكرر نفسها، تماما كما تمر السجائر المحشوة بالحشيش على شفتيه..
بعد سنتين سيطرد من المدرسة، في لحظة غضب أعمى …

يغمض عينييه، ويحاول الإمساك بالجدار بأصابعه.. لا يستطيع، لكنه يستطيع تذكر ذلك اليوم
جيدا:

تدخل الأستاذة الحامل، وتعلن نتائج اختبار الأسبوع الفائت، تصل إلى اسمه،
وتخبره بأنه حصل على نتيجة اثنين في المائة فقط..يتوجه نحوها،

يصفعها ويبصق في وجهها قبل أن يخرج، تاركا الأستاذة مغميا عليها.
عرف فيما بعد أنها نقلت إلى المستشفى وأجهضت هناك، قبل أن يتوصل بقرار الطرد من المدرسة لمدة خمس سنوات.

.يعود إلى البيت، ليجد أباه مكفهر الوجه،

أحمر العينين ورائحة الخمر تفوح من فمه مخترقة أسنانه المكسورة..لا يذكر شيئا سوى آخر كلمة قالها أبوه:
يا حشاش، با ابن الكلب..كيف تضرب الأستاذة يا ابن..
هوى بعصا غليظة على رأسه وصرخات أمه المسكينة تحاول أن ترد عنه الضربات..ليسقط بعدها مغمى عليه.
يقرر الهرب من ذكرياته بالاختباء تحت ملاءة المستشفى…
لكن الذكريات تأبى إلا أن تحاصره كأنها لم تحدث إلا في الأمس القريب..
يستعيد ذكريات محاولات الهروب والفشل ..
يتذكر كيف حمل حقيبته التي وضع فيها ما خف وزنه من ملابس وغطاء صغير،

و500 درهم سرقها من محفظة أمه الموضوعة فوق جهاز التلفزيون، قبل أن يتوجه للمحطة الطرقية.
كل شيء هناك يشي ببؤس أصحاب المكان الدائمين، وحيرة أصحابه المؤقتين من المسافرين.
يغمغم: ما سر هذه النظرة المرتبكة، والانتظار المترقب!
هل هو خوف طبيعي من الآتي الذي لا نعرف ملامحه جيدا..أم هو الخوف من السفر نفسه!
السفر مغامرة رائعة أحيانا، ومخيفة في أحايين كثيرة ..قد نخوضها بحب، أو بدون تخطيط مسبق،

أو بقرار سريع لم نفكر في نتائجه طويلا، كما فعل صاحبنا!
يضع حقيبته على رصيف المحطة، ويجلس فوقها في انتظار حافلة ما لتذهب به إلى مكان ما!

يجد نفسه في موقف قريب من قصة أليس في بلاد العجائب التي قرأها في كتاب مادة اللغة العربية ،
ربما يقف في نفس المكان الذي وقفت فيه اليس،

عندما وجدت نفسها عند مفترق طرق تتفرغ منه ثلاث طرقات ، تسأل الأرنب : أي طريق أختار ؟.

قال لها : يا اليس .. إلى أي مكان تتجهين ؟.

قالت: لا اعرف . قال لها : ما دمت لا تعرفين ، يمكنك المشي في أي طريق!
يقذف بجسده المنهك في أول حافلة تقف أمامه دون أن يسأل عن محطتها القادمة، يعرف فقط أنها متوجهة إلى الشمال
..يعدل من جلسته في الحافلة ويغمض عينيه ..
يفتحهما الآن وهو متمدد على سريره في المستشفى، ويزيح عنه الملاءة البيضاء!
يحاول الضغط على فرامل أحلامه المتسارعة لكنه لا يستطيع إيقاف كل ذلك الزخم من الأحداث التي توالت على ذاكرته!
يحاول النهوض قبل أن يكتشف بأنه محاصر بأنابيب الدواء المتصلة بذراعه اليمنى، والقيد الذي يربط رجليه مع السرير الحديدي،

يستسلم لذلك ويعود لوضعيته السابقة.
يرفع عينيه نحو الأعلى..وذاكرته وصلت إلى تطوان، إلى المدينة التي وصلها دون تخطيط مسبق.

يتحول السقف إلى شاشة عرض تلك الأحداث، يتذكر البحر المتوسط، ومحاولته الهجرة إلى الإلدورادو قبل ان يسقط في أيدي خفر السواحل،

يتذكر كل المهن التي اشتغلها هناك: ماسح أحذية، بائع مناديل في المحطة، بائع سجائر، بائع أكياس بلاستيكية
، وحتى حمالا يساعد في حمل صناديق السردين في الميناء حيث خبر فيه حُقَن الهروين، وغبار الكوكايين..
ودخوله المتكرر للسجن بسبب ذلك، قبل أن يدخل إليه في المرة الأخيرة منذ خمس سنوات بعد تناوله حبة قرقوبي (اكستازي)
، ومحاولته اعتراض سبيل فتاة في الشارع العام واغتصابها، قبل أن يتدخل بعض المارة لتخليصها منه وتسليمه للشرطة.
يتنهد في تلك اللحظة.. يأتيه صوت الطبيب:
- لم يبق الكثير يا ياسين، ستخرج من السجن بعد شهرين فقط وأنت معافى من الإدمان، لكن ماذا ستفعل بعد ذلك ؟ّ!
لا يرد..لأنه لم يطرح هذا السؤال من قبل..ولا يعرف له جوابا !
ماذا سأفعل بعد خروجي من السجن..ماذا سأفعل..ماذا سأفعل ..
يصرخ بصوت مكتوم!
تزيد حدة صراخه..عندما يستعيد تلك الدقيقة التي لا تغادر ذاكرته..
يصرخ أكثر، لكن صرخته المكتومة لا تصل لأحد!.

في السقف نفسه يستعيد ذلك المشهد:
يعود من الميناء بعد يوم متعب من حمل صناديق السمك على ظهره الهزيل،
يلتقي صدفة بجاره القديم في مدينته التي غادرها قبل سنوات ..ويقذف بالخبر الصاعقة:
- البقاء لله يا ابني ياسين..أمك ماتت حزنا عليك، وأبوك فقد عقله،

ولا أحد يعرف مكانه حتى الآن..سامحه الله لم يكن يتوقف لحظة عن شرب الخمر!
تدور به الأرض، ويضرب بيديه على الجدار..يتحسس جيبه، ويخرج الورقة

نفسها التي كتب عليها بعض الأبيات في حديقة المستشفى..ويكمل نهاية القصيدة:
سأرجع للحكاية
واقطف منها شهبا
وأصنع مملكتي
أزوج فيها الأقمار بالشموس
لتلد لي النجوم
ترضع من ذاكرتي
وتكتب لي شعرا جديدا عن الحزن
يبحر في يم الكؤوس..
ويضع لي لعنة فرعونية
على يأسي
وحزني
وجلوسي

تنزل دمعتين ساخنتين على خده.. يتمالك نفسه ويرد على الطبيب بعد ان انتبه إلى أنه ما زال واقفا أمامه:
- عندما سأخرج سأنشئ جمعية لمحاربة المخدرات..
سأقول للأطفال إن السيجارة الأولى ..هي بداية المأساة!

ابتسم الطبيب..ابتسم صاحبنا..

زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-06-2011, 09:00 PM   #142
ابي امية
ذاكرة الماء !
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
جهة القدوم: الأرض
العمر: 49
المشاركات: 6,615
افتراضي

اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة زوينة سالم مشاهدة المشاركة
أسامة بن لادن: وداعا.. فكلنا إرهابيون


نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

لينا أبو بكر


لم يكن بن لادن من جماعات 'الفايكِنغ' في اسكندنافيا حتى يموت في البحر على طريقتهم التي كانوا يضعون بها الميت في سفينة مجهزة بالطعام والشراب،
لا بل والخدم أيضا، ثم يدفنون السفينة بكل ما عليها أو يحرقونها أو يتركونها للأمواج تتقاذفها، ما أعلمه أن بن لادن كان مسلما،
فلماذا يتم اختيار البحر قبرا له؟

ليس لأن المسألة لا يقبلها المنطق ولا العقل ولا حتى الجنون وحسب،
بل لأنها الإهانة المتعمدة التي يوثقها الإعلام بالخبر لما ينتشر كالنار في هشيم التلفزة العالمية،
ثم العبث بكرامة الموتى المسلمين، واسترخاص الدفن أو الموت الكريم لهم، حتى وهم جثث،
ولنا في نحر صدام عبرة، فجر عيد الأضحى (العاشر من ذي الحجة، 30-12-2006)
حيث تداول الإعلام وقتها حرص الحرس الأمريكي على تسليمه للحكومة العراقية،
تفاديا للجدل، وهو تحديدا ما أثار الجدل لأن الإعدام كان طائفيا بامتياز ـ
وليس إغلاق قناة الشرقية التي نقلت صور النحر بكاف وقتها لتفادي تلك العنصرية السافرة ـ
فكل الصمت الأمريكي الذي غلف الحدث بتشف يجعلك تسخر من نظرية الصراع التاريخي بين الروم والفرس
مع ما يثيره ذلك من شهية القهقهة على مهزلة الغساسنة والمناذرة التي نتوارثها كالجين السياسي.
أمريكا التي رعت ذلك الموت الطائفي وكانت شاهد عيان على شجاعة صدام في غرفة الإعدام '
مبنى إعدامات الشعبة الخامسة التابعة للاستخبارات العسكرية في الكاظمية' لم تتردد بإهانة المسلمين
بل وبإهانة المناسبة الدينية عندهم بأن نحرت لهم قائدا عربيا مسلما في عقر دارهم وعلى مرأى الدنيا؟

تماما كما فعل كسرى الفرس مع النعمان ملك العراق حيث دهسته أقدام الفيلة على مرأى الجموع،
وكما فعل هولاكو بالخليفة المستعصم العباسي، لما دفنه حيا وقد ثارت حمية العراقيين بموته
لما فيها من استهانة بإرادتهم وكرامتهم رغم نقمتهم عليه،
وها نحن اليوم لا نصدق خبر وفاة بن لادن لسبب بسيط جدا هو
أن الرواية الإعلامية والطريقة التي تعامل معها الأمريكيون لم تكن تراعي أدنى المعايير الاخلاقية والإنسانية،
لأن الوصول إلى هذه المرحلة من التحقير واللامبالاة بالتعامل مع أي قتيل مسلم
ما هو إلا انعكاس لوجه السياسة الأمريكية تجاه قضايا العرب والمسلمين...
إنها جثة حتى لو كانت جثة الإرهابي الأول المطلوب في العالم،
فقابيل قتل هابيل لأنه غريمه حسب التفسير النفسي والتاريخي للجريمة ـ
لكنه رغم ذاك اتخذ الغراب نموذجا لمواراة الجثة بكرامة!
.
.
لم نعد نعي مفهوم الكرامة
لأننا مدمني إعلام موجه وخطاب مرتب ,,,
ليست قصة قصيرة
بل قصة طويلة طويلة
ومتكررة
http://www.alquds.co.uk/scripts/prin...4\04qpt997.htm
هذا فنجان مركَّز ...
شكرا لإختيارك الثري جدا ..
ابي امية غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-03-2012, 11:09 PM   #143
عجلة الثقافة
استفاقة حلم !
 
الصورة الرمزية عجلة الثقافة
 
تاريخ التسجيل: Jul 2012
المشاركات: 23
افتراضي

يشبه الشمس ومريم..
القاص العماني نبهان الحنشي


يحتسي الصمت لحظات انتظاري.. شبحان أسودان يقبلان.. أخيراً هي. همست لمن معها وابتعدت وأمأت لي بأن أتبعها:
ـ صباحك سكر!
ـ نحن في السادسة مساء الآن..
ـ الوقت معكِ لا يعرف إلا الصبح.. لا يشكل الربيع.
كعادتها.. تُكوم الصمت حول ملامحها الحزينة.. فتحت الباب الخلفي الأيمن وجلست.
مرت ثوانٍ ثقيلة قبل أن تتمتم بضع كلمات لتعانق صمتها من جديد..

نهار:
ومازال حمام الحزن يجنح فوق فضاء المخيلة..
ومازالت مراكبه ترسو على شواطئ القلب، تتساءل لم في هذا الوقت أحمل على عاتقي كفن التمرد على الحزن باتجاه الأمل
مشرعا مراكبي نحو الألم وأنا الذي لم أعِ لعبة تداول الأدوار وخبث الأحرف.
على شماعة المجهول علقت الأمل، وكانت روحي تتسلق سلم الحزن للهروب منه دون أن تدرك أن نهاية السلم سلم آخر.
وضعت مريم على يساري حيث كانت ما تزال من أهل اليسار، وجعلت أقطف زيتون الظروف وتينها.
أما أنت بدأت تطفو على سطح المآسي.
الآن ستأتي لتعلن عن احتراق جديد وربما ستتدارك صمتك. نوارس المخيلة تبحث عن شواطئ ذاتك.
تنسج عناكب الزمن خيوطها على فراشة حلمك.
الآن ستأتي وكعادتك تسب وتلعن وتقول (أغبياء يظنون أن الرجولة تختفي خلف العمائم وتنتصب بالبواكير.. أغبياء..).
وفي أغصان الذاكرة ليس سوى عصافير الحزن تشدو مراسيم الوداع الأخير.. ولامتداد جرحي مريم.


نهار:
نهض أبي وخرج.. ترك لي طيف شرار نظراته.. الصحون بعبثية موضوعة على أرففها.
أمي واقفة تحرك الملاس داخل القِدر بسرعة شيئا ما..
كنت ألمحها بنظرات جانبية في حين كنت أصوب نظراتي ناحية نافذة المطبخ التي تواجه المزرعة..
على الساقية عصفوران يتصارعان بمنقاريهما..
ربما يقبلان بعضهما البعض في لحظة شغف جنونية. وبصوت جانبي أيقظني قالت أمي: (اسمع كلامه لا حاجة لنا في المشاكل).
الأرض تحتاج للري، الصيف رائع ولكن علينا أن نتحمل جنون الأرقام في فواتير الكهرباء..
ولأننا في بلدة منسية فليس هنالك من شيء اسمه فواتير ماء.



ليل (حلم):
بأنامل الأمل ضغطت على زر الحياة ولم يتفتح ربيعها. الحزن الجوّال يتربص بنا..
له في كل عاتية رنين يعبث بنواصي الفرح.
أخذت مريم تنتظر لحظة فرح علها تأتي ولأنها جهلت ماضيها سوف لن تكون لواحد مثلي له ماضيه.
بأنامل الأمل ضغطت على زر التمني حاولت أن أستبيح صمتي وأنا أولج قبو الزمن.
في القبو ظلام يفضح آخر. اصطدم بكائنات تتشابه هلامية تنحسر عني. أحاول دائما (كشّ) شيء يحوم كالذباب ولا يذهب..
والظلام يفضح آخر. لا وجود لوطاويط الفزع. الظلمة تكتحل عيناي، وعيناي تتوسدا الظلمة.
ثمة ضوء كنقطة فجأة بدأ يتوسع كفتحة كهف كان يشبه في خفوته مريم وكنت أظنه أنت في خشونة توهجه.. ولكن فجأة...

نهار:
ما زلت أعض على أنامل الوقت ومريم تجمع قصاصات الألم. وتركنا حمام الأمل تقتنصه الظروف.
في القلب خيمة منفى وفي العمر أراض تشرد وفي خصلة تنسدل من على جبين مريم ألف شمعة أمل يطفئها بريق عينيها الخافت.
برقة أسندت ردفيها على مقدمة السيارة، ارتفع ثوبها وظهر سافل ساقيها.. وأدهشتني غزارة الشعر به...
(أحاطت بنا قيود الماضي.. اللعنة يشبه الشمس)
كانت تتحدث وتُسكن عيناها لحظات الغروب..
وكنت مازلت في دهشتي قبل أن أتداركها قائلا:
(يبدو أن خلف كل نافذة أمل هاوية.. لك أن تصمدين ولي أن أحصد غرس صمودي. ولكن هنالك أشياء لها حق علينا)
نظرت بألف غموض وعادت تسكن ما قبل الغروب.. قبل أن تغادرني لغموضها.


مشهد:
الصمت احتسى لحظات انتظاري..
شبح جسد لا جسدان يقبل..
لم تومئ لي.. اقتربت مني وسلمتني ورقة مكدسة الرتيب وقالت قبل أن تذهب:
ـ لقد قتلتها لك الله...
ولت جارية وقد لمحت طيف دمعة تسقط منها.


النهاية:
قست قلوبهم فما عادوا من بعد قسوتهم يرحمون..
ثمار العزيمة جفت بأعذاقها ومريم نخلة الحنين التي لا تنحني حتى وإن أصبحت كالعرجون القديم.
كانت تخرج من حفيظة بؤسها حمام الأمل ليحلق ويحلق..
حيث كان مازال حمام الحزن يجنح فوق فضاء العمر ونوارس المخيلة تعبث بشواطئ الشك واليقين..
ولكنها اكتست الغموض واكتفت أن تورثني وريقة حلم مقعد وزهرة لفصل مجهول.
الآن أرى في التفاتة الذكرى حزن يتهاطل بقدر غزارة شعرها الذي ارتأيته على أسفل ساقها آخر مرة.
تحلق بين الآتي والراحل، مريم هي امتداد لوجع وأنا امتداد لضياع.
ومركب الصبر هاجت به أمواج التشرد والألم. الآن يا صديقي لا أدري ما الذي ينتظرني خلف نافذة الصمت بعد مريم.
هي كما أكدت مصادر الحزن القلبية نبض الفؤاد تنثر نرجس الحزن وتحصد صمودي.
وها أنا أجمع ما تبقى من فراغ الأمنيات ما أملأ به جوف شتاتي وكأن مريم حلم في الأخير منه صحوت.




عجلة الثقافة غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-13-2012, 03:21 AM   #144
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

مقتطف من
السيدُ يراكَ من هناك،
(بورتريه للجبل الأخضر)
لقاسم حداد
نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


سعيت إليه كمن يذهب إلى حبيب.
قلت للأصدقاء :
أحضر إلى عُمان، شريطة أن تأخذوني إلى (السيد).
قالوا: أي (سيد).
قلت: الجبل الأخضر.
فتعهدوا أن يرتبوا لي موعداً مع السيد.
أعرف عن عزلته الطويلة، وأنه لم يزل في حزنه الرصين. أتخيله متصوفاً يعتكف على كتابة مخطوطاته في ضوء شمعته القديمة،

جالساً بين الغيم وغبطة الناس في صمتهم. لم أعرف جبلاً مكتنزاً بالتاريخ مثله، ولا يتصرف بعيداً عن ذلك. حين تقف أمام دارك،

في المدينة، يستطيع السيد أن يراك من هناك، دون أن تدرك ذلك. (إنه هناك).

قال الصديق الذي جاء يأخذني، كأنه يتكلم عن شخص ينتظرنا في المنعطف.

وعندما كانت السيارة تتقدم في إسفلت نظيف لا ينتهي، كنا نستطيع أن نضبط أنفسنا متلبسين بشعور غامض،
ونحن نزداد اقتراباً من تلك الغيمة المنخفضة العصيّة على التقدير. (إنه ينتظرنا هناك).

.
.

عبرتِ (الرانج) كتلة قديمة من الحديد على جانب الطريق، عرفنا أنها بقايا طائرة حربية سقطت في خمسينات الحرب.
طلبنا التوقف لمشاهدتها عن قرب. كانت هناك آثار قبر الطيار البريطاني الذي دفن بالقرب من الموقع.
أخذنا ندور حول كتلة الحديد ونجسّ بأصابعنا تفاصيلها الضائعة، كمن يقرأ مخطوطاً قديماً في ضوء ذاكرة واضحة.
قبل أن نغادر الموقع كنت قد حملت معي شظية من أشلاء الطائرة
بحجم كتف صديق عصفته تروسُ آلة ضارية، فسألني شاعر آخر:
- ماذا تفعل بالماضي؟
قلت:
- أشحذ به الزيت في قنديل الذاكرة.
حضرت الأساطير ثانية.
خلال حرب الخمسينات، كانت الحكايات تتوالى عن أساليب القتال التي يبتكرها مريدو الجبل ومتمردوه لمقاومة الطائرات المغيرة.
قيل إنهم، حين تنفذ ذخائرهم، كانوا يسلّطون سحراً غامضاً، يجعل الطيارين أنفسهم منقادين، مثل حشرات عمياء،
للاصطدام بطائراتهم في تغضنات الجبل، بلا هدف ولا ذخيرة. حتى شاعت بينهم رهبة تضاهي الخشية من عبور مثلث برمودا.
وكان أبي يباهي بذلك في حضرة جلسائه الذين يتابعون تلك الحرب المنسية. وكان يردد بأن أحداً لن يهزم الجبل الأخضر.
كان معدن الطائرة نظيفاً كأنه سقط قبل أيام. بدتْ لي بقايا هيكل الطائرة مألوفة،
ربما كانت هذه الطائرة قد أقلعتْ من مطار الجيش البريطاني بالمحرق آنذاك. فزادت مشاعري احتداماً،
وأنا ألامس الشظية كمن يجسّ بقايا آلة ضارية سبق لها أن طافت على جسده.
أية ذكريات يمكن أن تثيرها هذه الشظية عبر التاريخ؟
فسمعت الجبل يهمس لي بأن هذه ليست أجمل ذكرياته. فالحجر أكثر قدرة على البقاء من حديد الطائرات.
فانحنيت أحمل معي حجراً مكنوزاً بالأجنحة.
الحجر هو أيضاً ضربٌ من الكتب.
.
.
يقع الجبل الاخضر في المنطقة الداخلية لسلطنة عمان،
ويعتبر اعلى الجبال واكبرها في شبه الجزيرة العربية حيث يبلغ ارتفاعه عشرة آلاف قدم عن سطح البحر،
ويشتهر بهضبته الواسعة التي تقع على ارتفاع سبعة آلاف قدم
وقد بني عليها العديد من المساكن ويعيش فيها اهالي الجبل منذ فترات طويلة


زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-19-2012, 12:56 PM   #145
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

لفصل الاول من رواية* »‬الذرة الرفيعة الحمراء*«
ترجمها عن الصينية*: حسنين فهمي‬


1

في اليوم التاسع من الشهر الثامن حسب التقويم القديم عام* ‬1939،* ‬كان أبي*- ‬أحد أفراد عصابة قطاع الطرق*- ‬قد تجاوز الرابعة عشر من عمره.وكان قد رافق القائد* ‬يو جان آو ذلك البطل الأسطوري الذي ذاع صيته فيما بعد،* ‬رافقه إلي الفريق الذي كان* ‬ينصب كميناً* ‬للعدو علي الطريق العام عند جياو بينغ*.‬وقد خرجت جدتي تودعهم وهي ملتحفة بعباءتها.فقال القائد* ‬يو* : »‬فلترجعي*!« ‬فوقفت جدتي في مكانها ولم تواصل التقدم لوداعهم.وقالت جدتي لأبي ناصحة إياه* : »‬دوو قوان* ‬،* ‬استمع جيداً* ‬إلي كلام والدك* !« ‬فأنصت أبي إليها ولم* ‬ينبس ببنت شفة* ‬،* ‬وراح* ‬يمعن النظر في قامتها العالية ويشم الرائحة المنبعثة من خلال عباءتها* ‬،* ‬ثم شعر ببرودة شديدة* ‬،* ‬وراح* ‬يرتجف حتي بدأ القائد* ‬يو* ‬يمسح علي رأسه قائلاً* : »‬فلنمضي* ‬يا صغيري* !«‬
وهكذا بدأ وقع أقدام أفراد العصابة* ‬يبتعد عن المكان شيئاً* ‬فشيئا.وبدأ الضباب الكثيف* ‬يحجب الرؤية أمام أبي،* ‬فكان في ذلك الحين لا* ‬يري أمامه بوضوح* ‬،* ‬كان فقط* ‬يسمع وقع أقدام أفراد العصابة ولا* ‬يراهم.ومضي أبي* ‬يمسك بطرف ثياب والده القائد* ‬يو وهو* ‬يهرول وراءه.وأدرك أبي أن جدتي مضت تبتعد عنه كثيراً،* ‬والضباب* ‬يبدو كثيفاً* ‬كأمواج البحرالهائج* ‬،وهو* ‬يمسك بطرف ثياب القائد* ‬يو وكأنه طوق النجاة الوحيد من هذا الموج الهائج* .‬
وبدأ أبي* ‬يقفز نحو قبره الحجري الذي سيكون فيما بعد هنا وسط حقول الذرة*. ‬وكان ذلك القبر محاطا بالأعشاب الكثيفة* ‬،* ‬وقد جاء إلي ذلك القبر صبي* ‬يجر ماعزة* ‬،* ‬وكانت الماعزة تأكل من تلك الأعشاب والصبي* ‬يتبول علي حافة القبر وهو* ‬يتغني قائلاً* : ‬لقد أحمرت الذرة* ‬،* ‬وجاء اليابانيون* ‬،* ‬فيا أيها الأشقاء* !‬استعدوا لإطلاق الأعيرة النارية والمدافع* .‬
وقال البعض إن ذلك الصبي هو أنا*. ‬ولكنني لا أعرف إن كنت هو أم لا.وقد كنت أعشق كثيراً* ‬ريف دونغ* ‬بيي بمدينة قاو مي* ‬،* ‬وكذلك كنت أحقد علي ذلك المكان.وبعد أن كبرت واجتهدت في دراسة الماركسية* ‬،* ‬أدركت مؤخراً* ‬أن ريف دونغ* ‬بيي بمدينة قاو مي هو أجمل وأقبح مكان علي سطح الأرض،* ‬وأهله هم أشجع الشجعان وأحقر الناس،* ‬وأنهم أكثر الناس قدرة علي شراب النبيذ وعلي الحب.فلقد عاش آبائي وأجدادي هنا وتغذوا علي الذرة وكانوا* ‬يزرعونها سنوياً* ‬بكميات كبيرة.وفي أغسطس من كل عام* ‬،* ‬كانت الحقول تبدو كبحور من الدماء وسط زراعات الذرة الرفيعة*. ‬وكان أهل قاو مي* ‬ينشغلون بهذا العرس في كل عام* . ‬كما أنهم كثير ما قاموا بالقتل والنهب وأخلصوا دفاعاً* ‬عن وطنهم* ‬،* ‬وقد قدموا صورة مسرحية بطولية حزينة* ‬،* ‬حتي جعلتنا نحن الأحفاد* ‬غير البارين نشعر أمام كل تلك الإنجازات بتراجع النوع الإنساني في مدينة قاو مي*.‬وبعد أن خرج فريق العصابة من القرية* ‬،* ‬ساروا في طريق ترابي ضيق.واختلط الضباب الكثيف بكميات التراب المنبعثة من تحت أقدامهم وهم* ‬يسيرون في ذلك الطريق الترابي* ‬،* ‬وكانت قطرات المياه تبدو علي وجه أبي وكأنها قطع بلورية.وكان أبي قد تعود علي رائحة النعناع الذكية والروائح الأخري المنبعثة من وسط زراعات الذرة* .‬وفي تلك المرة حيث اختلطت الرائحة بالضباب الكثيف* ‬،* ‬فقد أحس أبي بأنه* ‬يشم رائحة جديدة أيقظت في نفسه ذكريات بعيدة.وبعد مضي خمسة عشر* ‬يوماً،وفي الخامس عشر من شهر أغسطس الذي* ‬يوافق عيد منتصف الخريف،* ‬كان البدر* ‬يملأ السماء وينير حقول الذرة* ‬،* ‬وكانت حبات الذرة تبدو وكأنها حبات فضية.وراح أبي* ‬يشم رائحة ذكية تفوق أضعاف رائحة الذرة في العصر الحالي*. ‬وفي ذلك الحين كان القائد* ‬يو* ‬يجره وراءه،* ‬وخلفهم تظهر بركة من دماء ما* ‬يزيد علي ثلاثمائة من أهل القرية والتي جعلت الأرض السوداء تبدو مخضبة بالدماء.وقد جعلت الرائحة بعضهم* ‬يشعر بالاختناق*. ‬وكانت مجموعة من الكلاب التي جاءت لتأكل من لحم القتلي تقبع هناك وتنظرإلي أبي والقائد* ‬يو*. ‬فأطلق القائد* ‬يو رصاصة من مسدسه فاختفي* ‬كلبان* ‬،* ‬ثم أطلق رصاصة ثانية اختفي علي دويها كلبان آخران.فتفرقت جماعة الكلاب ووقفت بعيداً* ‬تنظر إلي الجثث الملقاة علي الأرض.وبدأت تلك الرائحة تزداد شيئاً* ‬فشيئا.وراح القائد* ‬يو* ‬يصيح في الكلاب* :»‬أيتها الكلاب اليابانية،* ‬اللعنة علي اليابانيين*!« ‬ثم صوب مسدسه تجاهها حتي اختفت تماماً*. ‬وقال لأبي* : »‬هيا بنا* ‬يا بني* !« ‬ودخل الأب وابنه وسط زراعات الذرة* . ‬وتسربت تلك الرائحة إلي أعماق أبي حتي إنها أصبحت ترافقه طيلة حياته*.‬
وكانت سيقان الذرة* ‬تصدر عند اصطدامها ببعضها أصواتاً* ‬مسموعة،* ‬أحياناً* ‬قوية وأحياناً* ‬أخري ضعيفة*. ‬ولكي* ‬يلاحق أبي الركب* ‬،* ‬فقد كان* ‬يهرول وسط الذرة وهو* ‬يصطدم بسيقانها.وفي ذلك الحين كانت تصدر أصوات أخري نتيجة اصطدام مسدس أحد أفراد العصابة بمسدس رفيقه* ‬،أو نتيجة اصطدام أحدهم برأس جثة من تلك الجثث الملقاة وسط الذرة.وسمع أبي* ‬صوت سعال ذلك الرجل الذي كان* ‬يسير أمامه* ‬،* ‬وقد عرف من صوت السعال صاحب الصوت وانغ* ‬وين إي المعروف بأذنيه الكبيرتين اللتين ما أن تهتز حتي تنزف.وقد كانت أذني وانغ* ‬وين إي هي أكثر أعضاء جسمه دلالة عليه.وكان الرجل* ‬يتميز بأنه قصير القامة ذو رأس كبير.وجاهد أبي في السير حتي تحقق من وانغ* ‬ونظر إليه نظرة فاحصة.وتذكر حكاية وانغ* ‬عندما كان في ساحة التدريب وصاح فيهم نائب القائد أن استديروا صوب اليمين* ‬،* ‬ولكنه لم* ‬يسمع جيداً* ‬ولم* ‬يعرف الوجهة التي نادي بها القائد* ‬،* ‬فما كان من نائب القائد إلا أن ضربه بالسوط فراح وانغ* ‬يصيح* : ‬يا أمي* ! ‬وتغير لون وجهه من شدة الضربة* ‬،* ‬حتي سمع الجميع صوت ضحك الأطفال الذين كانوا* ‬يتابعون التدريب من خارج السور*. ‬
وضرب القائد* ‬يو وانغ* ‬وين إي علي مؤخرته* ‬،ثم سأله*.‬
*»‬لماذا تسعل؟*«‬
أيها القائد*.. »‬تحامل وانغ* ‬وين إي وكتم سعاله*« ‬وقال* »‬أشعر بألم في حنجرتي*..«‬
*»‬لا تسعل مهما كان السبب!وأعلم أنني سأقطع رأسك إذا أُكتشف أمرنا*!«‬
*»‬سمعاً* ‬وطاعة أيها القائد*« .‬أجاب وانغ* ‬ثم صدرعنه صوت سعال لم* ‬يستطع أن* ‬يكتمه*.‬
وهنا أحس أبي بأن* ‬يد القائد* ‬يو تنزل من خلف رأس وانغ* ‬وين إي* ‬،* ‬وأحس أيضاً* ‬أن هناك قطرات كحبات العنب تسيل من رقبة وانغ* ‬،* ‬ورأي عينيّ* ‬وانغ* ‬تبدوان في* ‬غاية الإمتنان والشفقة*.‬
وبعد وقت قصير،* ‬غابت العصابة وسط زراعات الذرة.وأحس أبي أن العصابة تسير صوب الجنوب الشرقي*. ‬وأن الطريق الترابي الذي سلكته العصابه هو الطريق الوحيد المؤدي إلي حافة نهر موا شوي،* ‬ويبدو الطريق الضيق أبيضاً* ‬مائل إلي الزرقة في وضح النهار*. ‬وقد كان الطريق مكونا من الطمي الأسود* ‬،* ‬غير أنه الآن* ‬غني بالكثير من فضلات الأبقار والبغال والحمير*. ‬وقد سار أبي في ذلك الطريق أكثر من مرة* ‬،* ‬حتي إنه كان* ‬يذكره أثناء فترة العذاب التي قضاها في اليابان.ولا* ‬يعرف أبي كم من الأحزان والأفراح التي عاشتها جدتي علي ذلك الطريق* ‬،* ‬ولكنني أعرف*. ‬وكذلك لا* ‬يعرف أبي أن جثة جدتي كانت قد ألقيت علي ذلك الطريق الترابي الأسود الذي تظلله زراعات الذرة،* ‬ولكنني أعرف* .‬
وكان أبي قد لعب في صغره في مياه نهر موا شوي* ‬،* ‬وكأن حب اللعب في المياه كانت موهبة طبيعية أتصف بها في طفولته وصباه*. ‬حيث تذكر جدتي أن لهفته إلي المياه كانت أشد من لهفته إلي أمه*. ‬وكان أبي وهو في الخامسة من عمره* ‬يسبح في المياه مثل البط الصغير*. ‬وكان أبي* ‬يعرف تماماً* ‬طين قاع نهر موا شوي* ‬،* ‬وكان* ‬ينمو علي ضفاف النهر أعشاب وأزهار كثيرة وتسبح علي الشاطئ بعض من كائنات النهر*. ‬وفي الخريف عندما كانت تهب الرياح الخريفية وتزداد برودة الجو،* ‬كانت تفر إلي الجنوب جماعات من الأوز الصيني*. ‬وعندما استمع أبي إلي صوت صرير مياه النهر* ‬،* ‬تذكر الجد ليو لوو خان الذي كان قد خدم في منزل العائلة عشرات السنين وكان مسئولا عن صناعة النبيذ التي كانت تديرها عائلتي،وكان أبي* ‬يحبه كثيراً* ‬مثل جده الحقيقي تماماً* ‬
وكان أبي كثيراً* ‬ما* ‬يرافق الجد ليو في الخروج إلي النهر للعب مع سرطان البحرعلي ضفتي نهر موا شوي.ويمضي هناك وقتاً* ‬جميلاً* ‬حيث صيد الأسماك الصغيرة ونصائح الجد ليو بعدم الاستعجال علي الفريسة*. ‬وكان أبي* ‬يتابع فريسته وهي تدنو من الشاطئ وتظهر جلية تحت ضوء الشمس حتي* ‬يصدر له الجد ليو أوامره بأن* : »‬أقبض عليها*!«‬
وبعد أن توغل أبي بصحبة أفراد العصابة في زراعات الذرة* ‬،* ‬كانت قدماه لا تكف عن الاصطدام بأعواد الذرة بينما هو* ‬غارق في التفكير في ماضي النهر وألعاب الطفولة.وكان لا* ‬يزال ممسكاً* ‬بطرف ثياب القائد ليو وهو* ‬يهرول وراءه،* ‬وقد أحس بالنوم* ‬يغلبه،فثقلت رأسه وبدت علي عينيه علامات النوم.ومضي أبي* ‬يفكر في أن رحلته لن تضيع سدي ما دام في رفقة الجد ليو إلي نهر موا شوي*. ‬وكان أبي قد شبع كثيراً* ‬من أكل سرطان البحر وكذلك جدتي*. ‬وكان الجد ليو* ‬يقوم بتقطيع سرطان البحر إلي قطع صغيرة ويضيف إليها فول الصويا والملح ويضعها في إناء لإعداد حساء سرطان البحر،* ‬ذلك الحساء الذي كانوا* ‬يتلذذوا جميعاً* ‬بشرابه.وكنت قد سمعت بأن جدتي كانت تتعاطي مخدر الحشيش* ‬،* ‬ولكنها لم تصل إلي حد الإدمان* ‬،* ‬لذا فقد كانت دائماً* ‬ما تبدو في حالة من الانتعاش.وكان الاهتمام بالصحة والمحافظة عليها شعارا معروفا في قريتنا التي كانت معروفة بإنتاج أنواع من الأسماك الغنية بقطع اللحم.وفجأة تذكر أبي حادثة وفاة الجد ليو في العام الماضي عند طريق جياو بينغ* ‬العام.وكانت جثته قد قُطعت إرباً* ‬إربا* ‬،وتم توزيع تلك القطع في جميع الاتجاهات.وكان قد تم سلخ الجثة مثل سلخ الضفدعة* .‬وما أن تذكر أبي حادثة مقتل الجد ليو حتي شعر برعشة شديدة أصابت جسمه كاملاً*. ‬ثم تذكر أبي حادثة كانت قد وقعت منذ سبع أو ثماني أعوام مضت* ‬،* ‬ففي ذلك المساء كانت جدتي قد شربت حتي سكرت،* ‬ووصلت إلي ساحة فناء صناعة النبيذ في منزل العائلة الكبير،* ‬وهناك تعلقت بكتف الجد ليو وهي تتوسل إليه* :‬س ايها العم ليو* ‬،* ‬أتوسل إليك ألا تغادرنا* ‬،* ‬وإن لم* ‬يكن لأجلي فلأجل الصغير دوو قوان* ‬،* ‬أتوسل إليك* »‬أيها العم ليو ألا تغادرنا* ‬،* ‬وإن أردت أن أهب لك نفسي فسأفعل علي الفور،* ‬فأنت مثل أبي تماماً*.. ‬وأتذكر أن الجد ليو كان قد أزاح جدتي عنه وغادر المكان إلي زريبة البغال ليطعم بغاله.فقد كانت أسرتي تربي بغلين أسودين* ‬يتم إستخدامهما في فرن صناعة النبيذ،وكان البغلان من أجود أنواع البغال المعروفة في القرية.ولم* ‬يغادرالجد ليو الأسرة إلا بعد قيام اليابانيين بالإستيلاء علي البغلين وإستخدامهما في صيانة وتعبيد طريق جياو بينغ* ‬العام* .‬
وسمع أبي دوي طلقة نارية أحدثت جلبة كبيرة وسط زراعات الذرة* ‬،*
‬وقد أصابت الطلقة في طريقها الكثير من عيدان وسنابل الذرة* ‬،
* ‬ ولا أحد* ‬يعرف أين أستقرت*.‬
زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-19-2012, 12:56 PM   #146
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

وفي ذلك الحين* ‬،* ‬سمع أبي صوت الحمير القادم من القرية* ‬،* ‬ففتح عينيه ورأي أن الجو لايزال ملبداً* ‬بالضباب* ‬،* ‬وأن أعواد الذرة تحجب عنه رؤية أدني الأشياء منه* .‬ومضي* ‬يفكر في زراعات الذرة التي لا تنتهي وأنه لا* ‬يدرك كم من الوقت قضاه بين جنباتها.وفقد أبي وهو بين تلك الحقول التي لا تنتهي التركيز في الإتجاهات*. ‬وتذكر أنه كان في العام قبل الماضي قد ضل طريقه وسط حقول الذرة* ‬،* ‬ولكن صوت مياه النهر أنذاك دله علي طريق النجاة من* ‬غيابات الذرة*. ‬فعندما سمع أبي صوت صرير مياه النهر* ‬،* ‬عرف علي الفور أن العصابة تمضي في إتجاه الشرق في صوب النهر*. ‬وبمجرد أن تأكد أبي من وجهة السير،* ‬فقد تأكد من أن الركب* ‬يمضي إلي ذلك الخندق لمواجهة وقتال الجيش الياباني* ‬،* ‬نعم إنهم* ‬يمضون إلي القتل* ‬،* ‬قتل البشر وكأنهم* ‬يقتلون الحيوانات.وعرف أن الركب سيسير صوب طريق جياو بينغ* ‬الذي قام الجيش الياباني وعملاءه بتعبيده بتسخير شعب القرية*.‬
واشتد صوت إصطدام أفراد العصابة بعيدان الذرة* ‬،* ‬فقد أتعبتهم الرحلة الطويلة وسط زراعات الذرة التي لا تنتهي*.‬حتي وانغ* ‬وين إي لم* ‬يتوقف عن السعال رغم سيل التوبيخ والسب الموجه له من القائد* ‬يو*. ‬ولما أحس أبي أن الركب* ‬يقترب من الطريق العام* ‬،* ‬راح* ‬يتأمل عيدان الذرة المنغرسة في الأرض الطينية والمشبعة بمياه الأمطار*.‬
وفجأة سمع أبي صوتا حادا* ‬،* ‬ثم أجتهد ليعرف مصدر الصوت* . ‬
وهنا سمع القائد* ‬يو* ‬يصيح بصوت مرتفع*: »‬من الذي أطلق النار؟* ‬يا شياو جيو تسه من الذي أطلق النار؟*«‬
وسمع أبي دوي طلقة نارية أحدثت جلبة كبيرة وسط زراعات الذرة* ‬،* ‬وقد أصابت الطلقة في طريقها الكثير من عيدان وسنابل الذرة* ‬،* ‬ولا أحد* ‬يعرف أين أستقرت*. ‬ثم سمع صوت وانغ* ‬وين إي وهويصيح بصوت به الكثير من الأسي والخوف*: ‬أيها القائد* ‬يو،* ‬إنني عديم الرأس،* ‬أيها القائد* ‬يو إنني عديم الرأس*«!‬
فركله القائد* ‬يو برجله ثم قال*: »‬عليك اللعنة* !‬عديم الرأس ولكنك جريء في الحديث* !«‬
وقال أبي* »‬أيها العم وانغ* ‬إنك جُرحت*«.‬
*»‬دوو قوان* ‬،* ‬أأنت دوو قوان* ‬،* ‬أنظر جيداً* ‬هل لاتزال رأس العم وانغ* ‬في مكانها؟*«‬
*»‬نعم* ‬،* ‬إنها لاتزال مستقرة في مكانها* ‬،* ‬فقط تبدو أذنك مجروحة*«.‬
فمد وانغ* ‬وين إي* ‬يده* ‬يتحسس أذنه المجروحة،* ‬ولامست* ‬يده الدماء التي تسيل من أذنه،* ‬وهنا بدأ* ‬يشكو حاله إلي القائد* ‬يو*: »‬أيها القائد* ‬يو* ‬،* ‬لقد جُرحت* ‬،* ‬لقد جُرحت* ‬،* ‬لقد جُرحت*«.‬
فرجع القائد* ‬يو إلي الخلف* ‬،* ‬وجلس القرفصاء وأمسك برقبة وانغ* ‬وين إي* ‬،* ‬وقال بصوت منخفض*: »‬كف عن الصراخ وإلا فصلت رقبتك عن جسدك*«!‬
وهنا كف وانغ* ‬وين إي عن الصراخ*.‬
وعاود القائد* ‬يو* ‬يسأله* :»‬أين مكان الجرح ؟*«‬
فرد وانغ* ‬باكياً* : »‬إنها أذني* ...«‬
فأخرج القائد* ‬يو من جيبه قطعة قماش بيضاء وشقها نصفين ومدها إلي وانغ* ‬قائلاً* : »‬غطي بها الجرح* ‬،* ‬وكف عن الصراخ* ‬،* ‬وسنعاود لف الجرح ثانية في الطريق*«.‬
ونادي القائد* ‬يو علي أبي* : »‬دوو قوان*.« ‬فأجابه أبي ثم أقترب منه وواصلا السير معا.بينما كان وانغ* ‬يسير خلفهما وهو* ‬يتألم من جرحه* .‬
وكانت تلك الطلقة الطائشة التي دوي صوتها وسط زراعات الذرة* ‬،* ‬كانت قد خرجت عن* ‬غير قصد من بندقية الأخرس.وكان الأخرس صديق قديم وحميم للقائد* ‬يو،* ‬وكان بطلاً* ‬رافقه طويلاً* ‬وأكلا معاً* ‬الخبز وسط زراعات الذرة* ‬،* ‬وكانت إحدي قدمي الأخرس قد جُرحت وهو لايزال في بطن أمه* ‬،* ‬وكان* ‬يعرج عليها أثناء السير،* ‬ولكنه كان* ‬يسير عليها بسرعة* ‬،* ‬وكان أبي* ‬يخشاه كثيراً*.‬
وعندما تبدد ضباب الفجر،* ‬وصلت العصابة أخيراً* ‬إلي طريق جياو بينغ* ‬العام.وعندما سلك الركب الطريق العام* ‬،* ‬بدا أبي أكثر مرونة وحيوية وقدرة علي السير بمفرده* ‬،* ‬حتي أنه لم* ‬يعد* ‬يمسك بطرف ثياب القائد* ‬يو*. ‬وكان وانغ* ‬وين إي لا* ‬يزال* ‬يغطي أذنه المجروحة بتلك القماشة البيضاء وهو* ‬غارق في بكاءه*. ‬وهنا مد القائد* ‬يو* ‬يده وساعده في أن أحكم ربط الجرح حتي شمل الغطاء نصف رأسه* . ‬وراح وانغ* ‬يتألم من شدة الألم*. ‬
وقال القائد* ‬يو* : »‬آه من عمرك الطويل* !«‬
فرد وانغ* ‬وين إي* : »‬لقد نزفت دمائي كلها ولا أستطيع الذهاب* !«‬
فقال القائد* ‬يو*: »‬عليك اللعنة* ‬،* ‬إن جُرحك هذا لا* ‬يعادل عضة بعوضة* ‬،* ‬وهل أنك نسيت ثأر أبنائك الثلاثة* !«‬
فطأطأ وانغ* ‬رأسه وقال وهو* ‬يغمغم* : »‬لا لم أنسي* ‬،* ‬لم أنسي أبداً* «.‬
ومضي وانغ* ‬يسير وهو* ‬يحمل بندقيته التي تلوثت بدمائه التي لم تتوقف بعد*.‬
وكان الضباب قد تبدد تماماً،* ‬وبدا الطريق العام صحواً* ‬،* ‬ولم* ‬يكن علي الطريق أي أثر لأقدام الأبقار والخيل أو حتي البشر.وكان الطريق المحاط من جانبيه بزراعات الذرة كفيل بأن* ‬يجعل المارة* ‬يشعرون بعدم الإطمئنان*. ‬وكان أبي* ‬يعلم أن عصابة القائد* ‬يو المكونة من أربعين شخصاً* ‬من بينهم الأبكم والأخرس والأعرج* ‬،كانوا جميعهم جنودا شجعانا عاشوا في القرية وأختلطوا بجميع ما فيها من حيوانات وطيور.وألتف ثلاثين رجل منهم مكونين دائرة تشبه الحية أثناء نومها،وكان من بينهم من* ‬يحمل البنادق والمسدسات والمطارق والتروس الحديدية.ولم* ‬يكن أبي* ‬يعرف أنذاك شيئاً* ‬عن نصب الأكمنة وعن فائدة التروس الحديدية في نصب الأكمنة لمواجهة العـدو*.‬


الفصل الاول من رواية* »‬الذرة الرفيعة الحمراء*« ‬للكاتب الصيني الحاصل علي نوبل مو بان*.
زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 11-12-2012, 10:18 PM   #147
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

رسالة متأخرة لقبر امرأة في الجنوب
القاض العماني حمود سعود

صوتكِ هذه الليلة أيقظ الروح النائمة في القبرِ.
صوتكِ الحزين المنبعث من غرفة الطين، من خلف النافذة الخشبية الخضراء كان صوتكِ يتسلل للحلم.
صوتكِ غسلَ كلُّ متاهات الحنين بداخلي. ها أنا أكتبُ إليك الآن بعد ثمانية وثلاثين عاماً من رحيلك.
جمعنا الجنوب والرصاص والحُلم وأغاني الوجد والليل وصلوات الحنين في الجبال البعيدة . وفرّقنا الحلم والتعب والسجن.

امتزجت روحيّنا ف ي دروب بيروت، وفي عيد ميلادك العشرين، والجبال البعيدة، وشاي المساء في المخيم.
في عدن والقاهرة وبغداد ودمشق. وانصهرت الروح في العاطفة الممتزجة بالدم والحُلم وصوت الرصاص ورائحة الحرب.
في كلِّ نجمة كُنتِ أنتِ. في كلُّ تلّة كانت خطواتكِ.
في كلِّ دمعة كانت عيناك.أيتها البعيدة القريبة. روحكِ فاجعتي الأولى والأوجع. طيفكِ قيامتي وميلادي.
في كل شجرة خضراء كنتِ أنتِ صوتها وروحها.
في السجن البحري المسقطي نحتُّ اسمكِ بأظافري في جدران الزنزانة.
وفي السجن البحري كذلك غنّيتُ لكِ كلّ أغاني الحلم والشوق والحزن والحنين.كنتُ أُنادي روحك في الجنوب.
كنتُ أزرع كل مساء بيننا أغنية. في السجن كتبتُ إليك في كل كلمة دمعة.
وفي كلِّ جنازة تمرُّ على قبري كنتَ أسأل عنكِ : هل رجعتْ من نزهة الموت؟

أيتها البعيدة، أيام طويلة كنتُ أتهجّى اسمكِ، في الجوعِ وفي الحزنِ وفي الدمعِ وفي الموتِ كنتُ أرسم صوتكِ.
في صوتُ المطر كانت صورتك. في صوت كلِّ يمامة جبلية كان صوتكِ. أيها الجنوب خذني إليها.
أيها الرب خذْ كل نساء العالم وامنحني روح البعيدة
.أيها الرب خُذْ كل عمري وامنحني خمس دقائق كي أبكي على قبرها.

أيها الجنوب يا صلاة الحُلم الأول، ويا أغنية الغريب، كُنْ كما أنت شامخا بالحب وبالحب وبالحب.



زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2016, 10:38 AM   #148
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

من فرط رغبتها في السلام والتسامح،
احتضنت العصافير بيضالأفاعي
..ماتت العصافير وزحفت الأفاعي
تنشد سلاما آخر
قصة قصيرة جدا
للقاصة
حليمة مصدق
زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 09-24-2016, 10:41 AM   #149
زوينة سالم
ذكـــرى إنسان
 
الصورة الرمزية زوينة سالم
 
تاريخ التسجيل: Jul 2005
جهة القدوم: مسقطية
المشاركات: 6,207
افتراضي

ثقب المرآة..
قصة قصيرة للقاص/ عبد الكريم الساعدي


تنهّد قُبيل أن يرتشف آخر كأس من الوهم، لامس صدغه بأنامله الناعمة كمن يحاصر فكرة ما، أو ينتزع صوراً هاربة من حصن ذاكرة تفرد سيقانها للنسيان، انحنى لأعماقه بخشوع، معتذراً لقلبه المنهوم بالأمنيات المتكسّرة على أجنحة البراءة. في تلك اللحظة نسي ملامح وجهه معلّقة فوق المرآة الصدئة، قرب النافذة الوحيدة في الدار، عيناه تطلّان منها، لامس طرف الفراغ المعلّق برمشيه، التهمته أسراب من كائنات غير حية تهتف بلا شفاه، تومئ بلا أيدي لشيء ما. كلّ شيء مرعب، كأنّها انبثقت من غياهب الكون. تتحرك النافذة بحجم خوفه، تغادر ملامح تلك الكائنات الغريبة، مرّت ثوان حتى استفاق على سيل من الدماء الزرقاء لأجساد ترقص فرحة بالنقود الزاحفة لبواطنها الحبلى بالنّهم، ثمّة موتى يزرعون أرصفة الطرق بأشجار من حجر، تجرهم عربات إلى يمين الطريق. حرك أستار نافذته نحو اليسار،
” عجيب! أيّ شيء أرى؟ “.
بوابة من الزهور مغروسة في عيون المدينة، تنكسر على حافة أطيافها ألحان سماوية، يتوضأ بشهقة الجداول، يندفع خارج النافذة كمن يحلّق بين شفتي امرأة مرتعشة بجناح الحرمان والجفاف. تلقفته كثبان من النساء الشبقة، حاصرته بحشرجة أنفاس ملتهبة، يمدّ ذراعيه، يحتضن همس بركان هائج من الأرداف المهتزة، انفرجت شفتاه لصفعة ألسنة تقطر عشقاً، راح يلهو تحت مطر القبلات المتلاحقة، وقبل أن تقرعه امرأة شقراء بنهديها الناطّين، انزلقت يده من طرف النافذة، وبسرعة حرك النافذة يميناً وشمالاً، لا شيء سوى إطلاقات مجنونة تخترق الفراغ. استحالت النافذة طريقاً ترتصف فوق حافاته أشجار عملاقة، يعانق دويّاً لتكبير وتهليل من جموع غرباء تسير خلف جنازة، رمق الألواح المحمولة على الأكتاف بنظرة حائرة، تسارعت دقات قلبه، أصابته نوبة من الجنون،
“لا أصدق أنّك ميّت، قبل قليل كنتَ نديمي، يا لتعاستك! كيف تحلّق في السماء مخموراً؟ ”
أنين مكبوت وحرقة ضمير، دفعاه ليكون خلف المشيّعين وفاء لصاحبه، راح يكنس حزنه بدموع خجلى، يقترب شيئاً فشيئاً من الصورة المعلقة أمام الجنازة، رمقها بنظرة وداع، فارتدّت كسيرة بالرعب حين رأى صورته، ارتدّ إلى الخلف بخطوات متعثّرة ، توارى عن الأنظار، تحسّس أعضاءه بيديه المرتعشتين رعباً،
” كيف لي أن أموتَ، ها أنا حي، ربما يشبهني”
ينطلق مذعوراً إلى منجم وجعه، هارباً من عتبة الموت، لعلّه يدرك حقيقة من يكون، الطريق يمتدّ بترنّحه، لا يسمع فيه غير شخير الليل، تلتهم خطواته طرقاً متعرجة، لم يمرّ بها من قبل، ضحكات غريبة تتعثّر بخوفه، سنابك حوافر طواطم لا مرئية، يلسعه الصريخ، يلتصق بنفسه لمّا رأى حشوداً من صور ولوحات داكنة، تحولت إلى أشباح تجري أمامه، تعبث بها الريح، نداء غريب يسحبه من طوفان انفجارات متلاحقة لظلمة ناسفة، عبوات تفجّر ذاكرته. لا شيء، النافذة مغلقة، مدّ يده بهدوء شديد، مسح مرآته الصدئة، احتضنت ملامحه ابتسامة شاحبة. مازال آخر كأس من الوهم معلّقاً بيده .
عبدالكريم الساعدي
زوينة سالم غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
كتاب

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML متاحة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
صاحبة الفنجان ! (ق.ق.ج) لا شيء يستحق ويطمرنا السكوت! 8 07-21-2009 06:16 PM
الفنجان المقلوب زوينة سالم مقامات البوح 28 02-18-2008 12:53 AM
عندما رأيت قارئة الفنجان .. رناد ويطمرنا السكوت! 8 01-16-2006 04:04 PM
هذيـان ..في قلب الفنجان ..! فهد العساف ضــــو ... ضــــــــاء! 8 01-20-2005 04:43 AM


هذيان .. صفحات بيضاء معده مسبقاً للإبداع !!
وكل ما ينشر في هذيان من مواضيع أو ردود أو أراء أو أفكار لا يخضع للرقابة والتدقيق قبل النشر أو بعده
لذلك كل ما يتم نشره في هذيان يمثل وجهة نظر كاتبه
, ولا يعني بقاءه في هذيان أنه يمثل رأي الملتقى أو أحد أعضائه أو العاملين به
 Powered by: vBulletin Version 3.8.7
Copyright copy;2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd.
hathayan.com© All rights are reserved
Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
vEhdaa 1.1 by NLP ©2009